محمد أبو زهرة

3576

زهرة التفاسير

كان النبي صلى اللّه عليه وسلم حريصا على هدايتهم ، كما قال تعالى : لَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ ( 3 ) [ الشعراء ] ، فبين اللّه سبحانه أنه لا يهدى وإنما ينذر ويبشر كما قال تعالى : إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرُ . . . ( 45 ) [ النازعات ] . في هذه الآية يأمر اللّه تعالى نبيه صلى اللّه عليه وسلم أن يحمّلهم إن كذبوا تبعات أعمالهم في الكفر فقال تعالى : وَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ لِي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ مغبة عملكم عليكم ، ومثوبة عملي لي وإني برئ مما تعملون وتكررون عمله آنا بعد آن وتجددونه تجددا مستمرا ، وقد أعذر من أنذر وقد أنذرتكم وشددت النذير ووعظتكم أحسن الوعظ وتلوت عليكم آيات بينات فيها سبيل العمل الصالح وتكوين الجماعة الفاضلة فإن استجبتم فقد أحسنتم لأنفسكم ، وإن كذبتم فعليكم تبعات ما تعملون ، كما قال اللّه تعالى : لا أَعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ ( 2 ) وَلا أَنْتُمْ عابِدُونَ ما أَعْبُدُ ( 3 ) وَلا أَنا عابِدٌ ما عَبَدْتُّمْ ( 4 ) وَلا أَنْتُمْ عابِدُونَ ما أَعْبُدُ ( 5 ) لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ ( 6 ) [ الكافرون ] ، وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ كل إنسان وما يعمله ، لا يؤاخذ صلى اللّه عليه وسلم في كفرهم هو برئ منهم ومن أعمالهم ، ومع هذا يبرأ إلى اللّه من أعمالهم تنزيها لنفسه عن أن يشرك أو يرضى عن شركهم المستمر المتجدد ، وقد عبر بالمضارع ؛ لأن أعمالهم الفاسدة متجددة مستمرة التجديد . في المسلك الذي أمر اللّه تعالى نبيه أن يسلكه إرشاد حكيم للعصاة وإيئاس لهم من أن يكون معهم ، بل فيه دعوة إلى الاقتداء به في عمله ، وفيه إشارة إلى فساد أعمالهم ، والمفسد إذا رأى عمل المصلح تأثر بعمله ، بل إن ذلك أشد تأثيرا من قوله وأفعل في النفس وأدعى للتأمل ، واتجاه النفس إلى ما في ثناياها ، وربما اهتدت ، وأنها لو فوض أمرها إليها قد يكون الخوف فيها ، وأنه إذا داخل الجاحد الخوف من مغيب عنه سار في طريق الهداية . إن هؤلاء المشركين عقولهم غائبة عن الحق سائرة في الضلال غافلة عن دعوة الداعي إلى النور ، وقد قال تعالى في بيان غفلتهم :